مجمع البحوث الاسلامية
70
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وجوّز أن يكون ( الحقّ ) مبتدأ و مِنْ رَبِّكَ خبره ، ورجّح الأوّل بأنّ المقصود الدّلالة على كون عيسى مخلوقا كآدم عليهما السّلام هو الحقّ ، لا ما يزعمه النّصارى . وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يتأتّى إلّا بتكلّف إرادة أنّ كلّ حقّ ، أو جنسه من اللّه تعالى ، ومن جملته هذا الشّأن ، أو حمل اللّام على العهد بإرادة الحقّ المذكور . ولا يخفى ما في التّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضميره صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم من اللّطافة الظّاهرة . ( 3 : 187 ) الطّباطبائيّ : تأكيد لمضمون الآية السّابقة بعد تأكيده ب ( انّ ) ونحوه ، نظير تأكيد تفصيل القصّة بقوله : ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ آل عمران : 58 ، وفيه تطييب لنفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بأنّه على الحقّ ، وتشجيع له في المحاجّة . وهذا أعني قوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ من أبدع البيانات القرآنيّة ؛ حيث قيّد ( الحقّ ) ب ( من ) الدّالّة على الابتداء دون غيره ، بأن يقال : الحقّ مع ربّك ، لما فيه من شائبة الشّرك ونسبة العجز إليه تعالى بحسب الحقيقة . وذلك أنّ هذه الأقاويل الحقّة وقضايا النّفس الأمريّة الثّابتة كائنة ما كانت - وإن كانت ضروريّة - غير ممكنة التّغيّر عمّا هي عليه ، كقولنا : الأربعة زوج ، والواحد نصف الاثنين ، ونحو ذلك ، إلّا أنّ الإنسان إنّما يقتنصها من الخارج الواقع في الوجود ، والوجود كلّه منه تعالى ، فالحقّ كلّه منه تعالى ، كما أنّ الخير كلّه منه ، ولذلك كان تعالى لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . فإنّ فعل غيره إنّما يصاحب الحقّ إذا كان حقّا ، وأمّا فعله تعالى فهو الوجود الّذي ليس الحقّ إلّا صورته العلميّة . ( 3 : 213 ) مكارم الشّيرازيّ : في الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ للمفسّرين رأيان : الأوّل : أنّ الجملة مبتدأ وخبر ، وبذلك يكون المعنى : الحقّ دائما من ربّك ؛ وذلك لأنّ الحقّ هو الحقيقة ، والحقيقة هو الوجود ، وكلّ وجود ناشئ من وجوده . لذلك فكلّ باطل عدم ، والعدم غريب على ذاته . الثّاني : أنّ الجملة خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : تلك الأخبار ، أي تلك الأخبار الّتي أنزلناها عليك حقائق من اللّه . وكلّ من التّفسيرين ينسجم مع الآية . ( 2 : 390 ) فضل اللّه : أي : هذا هو الحقّ من ربّك ، فهو مصدر الحقّ في كلّ مفرداته ، لأنّه مصدر الخلق كلّه والوجود كلّه ، فكلّ شيء مربوب له ، وكلّ شيء مكشوف عنده . ( 6 : 59 ) 8 - تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ . . . آل عمران : 108 ابن عبّاس : لبيان الحقّ والباطل . ( 53 ) الطّبريّ : بالصّدق واليقين . ( 4 : 41 ) الطّوسيّ : إنّما قال : آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فقيّده ب ( الحقّ ) لأنّه لمّا حقّق الوعيد بأنّه واقع لا محالة ، نفى عنه حال الظّلم كعادة أهل الخير ،